قال تعالى: ﴿… وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ …﴾ {الأعراف: 156}.
من الصفات الجمالية العظيمة الرحمة الإلهية، وهذه الرحمة وسعت كل الموجودات، وتجلّت في مختلف أمور حياتنا ودقائقها، والله سبحانه وتعالى أرحم بعباده من أيِّ مخلوق، ولولا رحمة الله لساخت الأرض بمن فيها، ومن رحمته بعباده صبرُه على معاصيهم وذنوبهم، فيتجاوز عنهم ولا يعاملهم بعدله وإنما برحمته الواسعة.
ومن رحمته الواسعة بعباده أنه أودع هذه الرحمة في قلوبهم، فعندما يقول تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فإن رحمته الواسعة امتدّت لعباده وأوليائه. ومن مصاديق رحمته الواسعة التراحم بين العباد، فرحمة الأم بصغارها ليست عند البشر فقط، بل حتى الحيوانات، حيث نرى تلك الرحمة بين الآباء والأبناء، وهذه الرحمة المتمثّلة في مخلوقاته ما هي إلا جزء بسيط ويسير من رحمة الله الواسعة.
وفي الروايات عن أهل البيت (ع) أن الله تعالى جعل الرحمة مائة جزء، أنزل منها جزءًا واحدًا إلى الأرض، به يتراحم الخلق، وادّخر تسعة وتسعين جزءًا ليوم القيامة.
فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل جزءًا واحدًا فقط لجميع البشرية يتوزّع عليهم للتراحم فيما بينهم، ويسع البشرية على أعدادها الضخمة، فحريّ بنا أن نتأمّل في رحمة الله بنا، ونتفكّر في عظمته، وألّا يداخلنا اليأس من رحمته الواسعة، فهو أرحم الراحمين.
إن إدراك حقيقة الرحمة ومعناها يُدخلنا في دائرة حسن الظن بالله عزّ وجل، فمهما تمادى الإنسان وتوغّل في الآثام والذنوب، فإن رحمة الله عزّ وجل تحوطه، وينظر إليه بعينه التي لا تنام، ومن رحمته أنه أرسل له الرسل والنذر، ويوقعه في المواقف التي توقظه من غفلته، فمتى ما استيقظ قلبُه من الغفلة، تسلّل النور إلى قلبه، واستشعر عظمة الله ورحمته في آنٍ واحد، فيعود بنفسه وروحه إلى بستان الهداية والصلاح، والله سبحانه وتعالى برحمته يغفر له ذنوبه على عظمتها إن كانت توبته نصوحًا وصادقة.
وهنا يبدأ تجلّي مصاديق الرحمة من عباد الله، فإذا كان الله تعالى يغفر الذنوب مهما تعاظمت، فكيف بنا نحن البشر الذين أودع الله فينا جزءًا من رحمته أن نتعاظم على من هم تحت أيدينا، ونستصغرهم، ونظلمهم، ونتعالى عليهم؟
فمن استشعر عظمة الله ورحمته امتلك صفة الحِلم والتواضع والشفقة وحسن الظن بالناس، فيتعامل معهم بالرحمة، ويعفو عند المقدرة، فليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، متذكّرًا قدرة الله عزّ وجل وعدله ورحمته، وكيف يتولّانا بالرحمة في مقام القدرة.
والرحمة لا تقف عند العفو عمّن أخطأ في حقّنا، وإنما تشمل استشعار هموم الغير وآلامهم، وحاجتهم المادية والمعنوية، ومواساتهم ورفع الضيق عنهم بكلّ ما نستطيع ـ ولو كان يسيرًا ـ، وعلينا أن نعي أن الرحمة ليست مجرد صفة من صفات الله عزّ وجل، بل هي انعكاس لعمق العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، فمن استشعر وجود الله في وجدانه، وعرف الله المعرفة الحقّة، تمثّل بصفاته في سلوكه وتعامله مع الله على الصعيد الشخصي، ومع الناس على الصعيد الاجتماعي.



